• تاريخ
  • 870 قراءة
  • 15:13 - 06 أكتوبر, 2021

لذكرى أكتوبر

عمار يا مصر

لعيون الجيش الذي عبر بنا ليل الهزيمة

 

الأربعاء والخميس 6 و7 أكتوبر 2021

إضاءة:

هذه صفحات من مذكراتي التي نشرتها مسلسلة ذات يوم فأوقف السجن تدفقها.


حرب الاستنزاف: ما أُخذ بالقوة لا يُستَرَدُّ بغير القوة:

لقد حدثت هزيمة عام 1967. وكان على ناصر أن يعيد بناء الجيش وتجهيزه للعبور. وتلك ستكون مهمة الفريق محمد فوزي. وسينجح فيها محمد فوزي، رحمه الله.

أما عن أسباب حرب 1967، فقد كُتب فيها الكثير مما لا تزيد عليه شهادتي شيئاً. المهم أن الهزيمة قد حدثت، وأن الأراضي العربية في سيناء وغزة والجولان والضفة الغربية، قد احتُلت. وكان الإسرائيليون لا يريدون من ناصر سوى الاعتراف بدولتهم وعقد سلام معهم، ثم ينسحبون.

لكن ناصر اعتبر الاعتراف بإسرائيل هو الهزيمة الحقيقية. وهذا هو الفارق الجوهري بين ناصر ومن جاؤوا بعده.

وقرر ناصر أن مصر ستحارب. ولكن قبل كل شيء لا بد من الاعتراف بالخطأ.

اعترف ناصر بأنه المسؤول عن الهزيمة، في خطاب علني متلفز أمام الشعب، ثم أردف اعترافه بتقديم نفسه للمحاكمة، والاعتزال من سدة الرئاسة. لكن الشعب المصري هبّ من أقصى الصعيد إلى حواف الدلتا، وغزا القاهرة، وملأها صياحا ومطالبة بالتراجع عن الاستقالة، ورد الشعب المصري على استقالة ناصر بصيحة واحدة في كل الميادين: ح نحارب.

تلكم كانت روح مصر التي تقود الفلاحين والعمال والمثقفين والبسطاء في أم الدنيا صبيحة يوم 10 يونيو 1967

وعاد ناصر وأعلن أن (ما أُخذ بالقوة لا يُسترَد بغير القوة). وكان هذا شعار مصر حتى أكتوبر 1973

لقد كان يكفي، في تلك الفترة، لكي تسيء إلى شخص، أن تتهمه بأنه يقول بأن مصر لن تحارب.

ناصر يقود المعركة مرة أخرى:

إذن، وعلى خلاف توقعات كل الأعداء، فإن مصر ستحارب. ربما لم تصدق إسرائيل ذلك، ولكن ما سيأتي سيثبت لها أن ناصر لن يركع.

وصدح عبد الحليم بأغنية مصر كلها، الأغنية التي ستكون شعار المرحلة:

ح نحارب ح نحارب

كل الناس ح تحارب

مش خايفين م الملايين

كل الناس ح تحارب..

ولكي تحارب مصر كان لا بد من إعادة بناء القوة. ولكي يُعاد بناء الجيش، كان لا بد ــ في رأي العسكرية المصرية ــ أن يكون ذلك تحت النار. وفور أن بدأت الحرب في الأيام التالية صدح العندليب بأغنيته التي كانت سمة المرحلة، طوال حرب الاستنزاف:

بلادي..

سكت الكلام والبندقية اتكلمت،

والنار وطلقات البارود شدت على إيدين الجنود،

واتبسّمت..

واحنا جنودك يا بلدنا وكلنا

ماشيين على طول الطريق اللي رسمناه كلنا..

ماشيين ماشيين ماشيين.

جيت لك وأنا حامل

جراح الأمس حالف

لارجع لك عيون النصر

يا بلدي..

ومنذ تلك اللحظة، حتى عبور مصر والعرب خط بارليف في 1973، لم يبدأ حليم حفلة من حفلاته إلا مفتتحاً بأغنيته قسم مصر، التي كتبها خصيصاً لهذه المناسبة ولهذا المطرب عبد الرحمن الأبنودي:

أحلف بسماها وبترابها

أحلف بدروبها وأبوابها

أحلف بالقمح وبالمصنع

أحلف بالمدنة وبالمدفع

باولادي بأيامي الجاية

ما تغيب الشمس العربية

طول ما انا عايش فوق الدنيا

...

وكانت حرب الاستنزاف، وأول مواجهة فيها كانت معركة رأس العش.

معركة رأس العش:

نشبت معركة رأس العش، في الأول من يوليو 1967، ــ بعد ثلاثة أسابيع من الهزيمة ــ حيث تقدمت قوة مدرعة إسرائيلية، على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، من القنطرة شرق، في اتجاه الشمال، بغرض الوصول إلى ضاحية بور فؤاد، المواجهة لمدينة بورسعيد، على الجانب الآخر للقناة. وكان الهدف احتلال بور فؤاد، المنطقة الوحيدة في سيناء التي لم تحتلها إسرائيل في الحرب. وعندما وصلت القوات الإسرائيلية، فوجئت بوابل النيران من جيش كانت تظنه قد مات.

مجموعة صغيرة من خير أجناد الأرض، جنود من قوات الصاعقة، لا يتجاوز عدد أفرادها الثلاثين مقاتلًاً، مزودين بإيمان المصري المعروف بالله، ثم الأسلحة الخفيفة، وإرادة مصر بالتحدي.. فصدوا الهجوم..

صدوه بعد معركة طويلة، بين الدبابات الصهيونية والجنود المشاة، الذي يحملون في أيديهم أسلحة خفيفة!..

ألا يمكن اعتبار هذه المعركة السيناريو المصغر لهجوم الجنود على الدبابات في أكتوبر 1973 فيما بعد؟

وصعقت العسكرية الصهيونية. وظل موقع رأس العش جيباً مصرياً محرراً وحيداً في سيناء، في انتظار عبور القوات المصرية، بعد حوالي 6 سنوات، يوم 6 أكتوبر 1973

في نفس الوقت: معارك في غزة:

لم تكن هذه المعارك تجري في سيناء فقط، بل كانت تجري في وعي جيلنا برمته: نعيد قص حكايات النصر، ونعيد إنتاج مقولات ناصر التي نحفظها عن غيب، بل ونُقَوّله ما لم يقل إذا اقتضى حق البطولة ذلك.

أما في غزة فقد بدأت الأعمال الفدائية: بدأت جميلة حالمة في وعينا. وكان ثمة اسم يداعب خيالاتنا، عبد القادر أبو الفحم.

كانت إذاعة صوت العرب تبث مسلسلاً يومياً عن عبد القادر أبو الفحم بعنوان: بطل من غزة. وكانت الحلقة تبدأ بأبيات من الشعر الحديث، تقول:

الليل في المدينة المغلقة الأبواب

كأنه السرداب

تجوب في دروبه الذئاب

مسنونة الأنياب

وغزة لا تهاب

كان الرقيب عبد القادر أبو الفحم من جيش التحرير الفلسطيني، من بواكير المقاتلين الذين تحدّوا الهزيمة. وحين يقال جيش التحرير، فإنما نعني هنا وحدته المقاتلة في الأرض المحتلة المسماة بقوات التحرير الشعبية، الفصيل الذي سيظهر فيما بعد في الشهور القادمة، على ساحة الكفاح المسلح.

ولم نكن قد سمعنا بتنظيم مقاتل للجبهة الشعبية في غزة بعد. ربما كان موجوداً كما يؤكد كوادره اليوم، لكننا لا نعرف. وأنا أقول بأنني أتكلم باسم وعي الجيل، ووعي الجيل لا يؤثر فيه إلا ما يراه، وربما بعد العديد من العمليات.

وعلى كل لن يطول الأمر حتى تظهر الجبهة الشعبية إلى جانب قوات التحرير.

كانت بواكير العمل المسلح واعدة. وكنا نشعر بأنها تمثلنا فعلاً. لكن هل سيستمر ذلك إلى النهاية؟ دعونا ننتظر..

ولم يكن ثمة إخوان مسلمون في غزة، باستثناء أفراد متفرقين تلاحقهم الشائعات، ولا تبدو تصرفاتهم السلوكية تساعد أحداً في الدفاع عنهم. لقد بدوا دوما طائفة مختلفة عن الباقين.

عود على بدء: حرب الاستنزاف:

كانت معركة رأس العش بداية حرب الاستنزاف، إذ شعر الجندي المصري أنه قادر على الحرب حتى في ظل انعدام التوازن العسكري مع العدو.

وفهمها عبد الناصر واطلق شرارة حرب سوف تستمر ألف يوم، يبني خلالها الجيش تحت النار، ويشيد جدار الصواريخ، الذي سيقطع ذراع إسرائيل الجوي في الحرب القادمة.

طوال هذه الأيام والليالي الألف، كانت القوات المصرية تتسلل خلف القناة إلى سيناء فتزرع الألغام وتشتبك بالعدو وتقصف الأعماق، ومقابل ذلك تتلقى مصر قصفا جوياً من الطائرات الصهيونية، التي لم تكن بعد قد ووجهت بقوة طيران صادمة.

وكنا نترقب الأخبار من صوت العرب، ونتشربها حماسة في الدم، وتطوراً إيجابياً في الوعي. ولم نكن نتصور أنه سيأتي يوم نستمع فيه إلى من يقول لنا بأن هذا مجرد مسرحية. لكننا سنجد ذلك فقط بعد أن يمر الزمن، ويفعل النسيان والسادات والإخوان أفعالهم فينا. لا جرم، فالإخوان هم أبناء السادات، وهو الذي أتاح لهم أن يغسلوا وعي جيل بكامله من مآثر ناصر.

مصر تنهض من جديد:

وخاض جهاز المخابرات المصري أعظم معاركه في تلك الأيام من 1967، حيث قامت الضفادع البشرية المصرية بثلاث هجمات متعاقبة على ميناء إيلات بالعقبة، ودمرت العديد من السفن والمعدات في الميناء، منها السفينة بيت شيفع، وناقلة الجنود بات يام، والرصيف الحربي لميناء إيلات.

لقد كانت قوات مصر تستعيد روحها في تلك الأيام.

لكن أعظم العمليات في تلك الأيام المبكرة التي جاءت بعد الهزيمة، كانت عملية إغراق المدمرة البحرية إيلات.

في صبح 22 أكتوبر للعام 1967، كنا فتية نعمل في قطف البرتقال، على ما أذكر. وفجأة سمعنا الخبر من صوت القاهرة. رمينا السلال والمقصات وصرخنا جميعا. وامتلأت أعيننا بالدموع.

كان صوت العرب يبث علينا أنباء إغراق مدمرة هي فخر البحرية الإسرائيلية، المدمرة التي سنسمع باسمها منذ اليوم فقط. ولم يكن بيننا أي من الإخوان المسلمين. ولم يكن أي منا يفكر أنه يوماً سيصبح عضواً في تنظيم يكره هذا. ولم نكن نتصور أن أحداً يستطيع أن يسجد شكراً لله على (نعمة هزيمة مصر)!

إغراق المدمرة إيلات:

اخترقت المدمرة البحرية الشهيرة (إيلات) المياه الإقليمية المصرية، فصدرت الأوامر للقوات البحرية المصرية بإغراقها، فخرجت لها قوات الطوربيد المصرية الخفيفة، وتصدت لها في معركة غير متكافئة، فجر فيها قائد الوحدة النقيب البحرى (عونى عازر) وباقي أفراد طاقمه، الطوربيد الذي يستقلونه بالمدمرة الصهيونية التي كانت في تلك اللحظة فخر البحرية الصهيونية.

نزع القائد عوني عازر فتيل الأمان من قذائف الأعماق بطوربيده، وانطلق بأقصى قوته نحو المدمرة، التي فطنت لهدفه، وأطلقت عليه كل مدافعها، لكنه وصل إلى قرب 30 متراً منها، بما يكفي لإحداث الضرر، فانقض عليها وأصابها إصابة بالغة واستشهد.

ثم أتبعت القوة المصرية هجوم قائدها بصاروخين من طراز ستيكس، أصابا السفينة في مقتل، حتى تفجرت وتهاوت بمن فيها إلى الأعماق.

واستعانت إسرائيل بقوات الطوارئ الدولية، لإقناع القيادة المصرية بالكف عن القتال، ريثما تجلي إسرائيل جنودها القتلى. واستجاب ناصر لمبادرة القوات الدولية، وأوقف النار، ولعقت العسكرية الصهيونية جراحها كما كلب أصابه فتى بحجر في عينه. وصدح العندليب بأغنية (ابنك يقولك يا بطل) كتبها عبد الرحمن الأبنودي ولحنها كمال الطويل:

ابنك يقولك يا بطل هات الانتصار

ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار

ابنك يقول أنا حواليا الـ100 مليون العربية

ولا فيش مكان للأمريكان بين الديار..

لم يكن ثمة من يقول لنا حينها بأن مفجر المدمرة إيلات الشهيد عوني عازر مسيحي كافر، وليس شهيداً. ولو قيل لنا هذا وقتها لبصقنا في وجه القائل. لكن سيأتي وقت سيُقال لنا فيه إن هذا وأمثاله أعداء الدين. وأن أعداء الدين لا يكونون وطنيين أبداً.. وحتى إن كانوا وطنيين فبئس وطناً هو الوثن، وبئس نحن عابدوه المشركون.

لقد قيل لنا كلام كثير في مراحل لاحقة عن كل أبطال المقاومة الفلسطينية. فإذا أضيفت إلى هذا القيل الخبيث، أخطاءُ المقاومين، صار واضحاً لم سيختار بعضنا طريقاً يرجو تصحيح هذه الأخطاء.

وكان عبد الحليم هو صوت جيلنا، وصوت ناصر، وصوت الثورة، وصوت العروبة، وصوت الحب. حيث لم يكن ثمة حدث لم يشارك حليم في صناعته.

لقد كان العندليب (ناصرنا) في مجال الفن.

ولقد أتى على العندليب وقت انكسر فيه صوته، مع انكسار أحلام مصر، فبكى وأبكانا وأبكى الملايين. لكنه في بكائه كان يزرع الأمل في أشد لحظات الليل الحالك. فبعد الهزيمة في 1967 كتب الأبنودي لحليم أغنيته وأغنية مصر (عدى النهار) ولحنها بليغ حمدي:

عدى النهار

والمغربية جايةْ بتتخفى ورا ضهر الشجرْ

وعشان نتوه في السكةْ

شالت من ليالينا القمرْ

وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها

جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها

يا هل ترى الليل الحزين

أبو النجوم الدبلانين

أبو الغناوي المجروحين

يقدر ينسيها صباح أبو شمس بترش الحنين؟

أبداً

أبداً بلدنا للنهار

بتحب موال النهار

لما يعدي في الدروب

ويغني قدام كل دار

نهاية الأيام الألف:

وكان عبد الرحمن الأبنودي كل يوم يطلع علينا من صوت العرب بقصيدة جديدة. وسافرت أم كلثوم إلى كل أصقاع الأرض تغني لمصر وتجمع التبرعات للجيش، فيما كان الإخوان يدعون الله أن تتواصل هزيمة مصر.

ولم يوقف عبد الناصر الحرب، ولم يقبل بأي من المبادرات السياسية، حتى تم بناء جدار الصواريخ.

علم ناصر أن ساعة العبور تقترب. وعلم أنه يحتاج لالتقاط الأنفاس قبيل المعركة خصوصاً وقد حققت حرب الاستنزاف أهدافها، غير المعلنة، فقبل مبادرة روجرز. لكن التنظيمات الفلسطينية اليسارية التي ترفع شعار الثورة الدائمة غضبت من ناصر.

مات عبد الناصر فجأة بعد سلسلة من المجهودات لوقف الحرب الأهلية في الأردن. وكانت فتح قد تصاعدت قوتها بعد معركة الكرامة، بفضل قائد شاب مغامر، كنت أحب أن أصفه بالأزعر، لأنه مدمن على إشعال المعارك وخوض المخاطرات اليائسة ضد عدو بلاده. وذلك الشاب كان أول حرف من اسمه فلسطين، أما ثاني حرف فكان أبو عمار، فيما كان الحرف الثالث ياسر عرفات.

لأول مرة يهزم الفدائي جيشا نظامياً، ولأول مرة يقرر ناصر أن يستقبل عرفات ويعترف به ويحبه ويدعمه، وقد كان حذراً منه في الماضي، بسبب من انتمائه السابق للإخوان المسلمين.

ومنذ ذلك اليوم ستولد فتح حقاً، ستولد بانتصار مستحيل على الأرض، وستولد بحب ودعم زعيم يحبه كل الأحرار، ويحكم أم العرب والمسلمين.

ناصر يقود المعركة من قبره:

لكن ناصر لم يمت، إلا بعد أن دخل عليه الفريق محمد فوزي، ليؤدي التحية العسكرية، قبل أن يهمس للقائد بأن الأمر العسكري قد تم تنفيذه.

الأمر الذي أصدره ناصر للفريق فوزي قبل سنوات، بإعادة بناء القوات المسلحة، ها هو ذا الآن يقدم رده عليه:

ــ تمام يا افندم. تم تنفيذ الأمر، وتمت إعادة بناء الجيش، وهو الآن على أتم الاستعداد لعبور قناة السويس.

وهكذا أعدت قيادة الجيش خطة العملية (بدر) التي لن تبدأ إلا في عهد متأخر بعد وفاة ناصر.

مات ناصر، وكان السادات لا يستطيع أن يمنع الحرب. وربما كان يرغب بها. لكن ما من شيء كان يستطيع منع ناصر من قيادة الهجوم من قبره.

كانت مصر كلها تطالب بالحرب: الطلاب في الجامعات، المغنون في الإذاعة، الفلاحون في الحقول، العمال في المصانع، ربات البيوت في مطابخهن.. وكان الجيش يعض على نواجذه وينتظر الأمر.

توفي عبد الناصر، وتولى السادات رئاسة مصر. السادات المصري اللاعروبي الكاره لناصر، الذي أخرج الإخوان من السجون، لينتقموا له من كل ما يذكر بناصر، وصور كل إنجازات ناصر على أنها إخفاقات، إلى الحد الذي لم يكتف فيه أعداء ناصر بالمطالبة بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين، بل رأيناهم يهجون السد العالي وتأميم القناة ومصانع الحديد والصلب، وأطلقوا سلسلة من أبواق الأكاذيب بأن المجاري طفحت على قبر ناصر وحليم وأم كلثوم... وكل هذا الهراء الذي ضجت به أبواق خطبائهم.

وحين أصف السادات بالمصري اللاعروبي، فأنا أعني ما أقول: فلقد ظل دوماً هناك في مصر تيار ذو نزعة مصراوية، يرفض انتماء مصر للعروبة، ويرى أن هذا الانتماء غير واقعي وضار في آن.

صحيح أن هذا التيار قد نزل إلى الأعماق، في عهد ناصر، لكنه ظل كامناً هناك، منذ أيام بعيدة تسبق ناصر وثورة يوليو. ونحن نرى كيف يصعد هذا التيار، كلما نشأت أزمة بين مصر ونظام عربي ما.

إنهم اللاعروبيون الذين يعتقدون أن مصلحة مصر في التنكر لعروبتها. وهم بذاتهم الذين كان السادات ونائبه مبارك أخلص ممثلين لهم، للأسف.

لكن رغم كل شيء يجب العلم بأنه ما من شيء كان يستطيع أن يمنع مصر من الحرب. والسادات كان الذي أصدر القرار بالعبور.

السادات والغرب:

بعد كثير من المراهنات الخاسرة على أمريكا، تأكد السادات أن خياره بالتوجه نحو الغرب لا يجدي شيئاً: لقد طرد الخبراء السوفييت في محاولة لجذب انتباه امريكا. ورحل الخبراءُ الذين بنوا الجيش المصري وشاركوا في كثير من الطلعات الجوية لحماية سماء مصر وتدريب الطيارين.

رحل الخبراء الذين بنوا جدار الصواريخ، الذي سيقطع ذراع إسرائيل الطولى. ولم تُعط أمريكا لمصر شيئاً. لا جرم، فلا أحد يدفع ثمناً لبضاعة مجانية.

وقبل كل ذلك، كان السادات قد شن حملة شعواء من النقد ضد الاتحاد السوفيتي، حتى عبأ الشعور العربي ضد وجودهم. وإن أجمل ما يعبر عن هذا الإنكار الفظ للجميل، كتاب جميل مطر الصحفي اللبناني، المعنون بالعنوان الذي يقول كل شيء: (روسيا الناصرية ومصر المصرية).

لقد كان السادات مصراوياً بحتاً مجبراً على ارتداء العباءة العربية.

ولكي أوضح معنى تعبير (مصراوي) أقول بأنني أقصد النزعة الفرعونية، التي تنكر كل علاقة مع المحيط العربي. ولكن ذلك لن يظهر في شخصية السادات إلا فيما بعد، فقد كانت أمامه معركتان، معركة العبور المفروضة من الزعيم الميت والجيش العظيم، ومعركة مسح صورة عبد الناصر من الوعي المصري.

لقد ظننت لفترة طويلة أن الرجل نجح، إلى أن جاءت ثورة مصر ضد فساد مبارك عام 2011، وصعدت صور عبد الناصر وهتافاته من القلوب التي خبأته أربعين عاماً، إلى وسط ميدان التحرير.

ولئن كان ميدان التحرير انتصار ناصر ضد كل من السادات ومبارك؛ لقد كان وثيقة الإعدام للإخوان المسلمين، وثيقة خط سطورها مرسي، حين تواقح وانتهك حرمة البطل الراقد في منشية البكري.

حاول السادات تجنب الحرب، بمغازلة أمريكا، فطرد الخبراء الروس كما قلنا. وكان ذلك في العام 1972. لكن الضغوط الشعبية والرأي العام والجيش الجاهز لم يسمحا له بتجنب الحرب. فتظاهرات الطلبة في الجامعات صارت زاداً وطنياً يومياً، وأغاني الشيخ إمام ونجم تقود وتلهب التظاهرات، ومثقفو مصر يعلنون غضبهم من الضباب الساداتي في كل مناسبة، بعد أن وعد بخوض المعركة كل مرة ثم تراجع.

فرد السادات على هذا التكتل اللاساداتي المصري بإخراج خصوم عبد الناصر من السجون، ليضبطوا إيقاع الشارع عموماً، والجامعات على وجه الخصوص، بما يتوافق مع سياسته.

ولكن الفوران المصري واصل غليانه. ولم يكن بمقدور الإخوان أن ينحازوا إلى جانب لا يؤيد الحرب، لكن كانوا سيكونون ذوي فائدة فيما بعد.لقد دخلت مصر تحت زعامة السادات مرحلة (اللاحرب واللاسلم). ورغم ذلك فسوف تثبت الأحداث أنه كان يعد للمعركة، أو هكذا بدا لنا الأمر عشية السادس من أكتوبر عام 1973

وكانت غزة في تلك اللحظة كعهدها دائماً، جزءاً من مصر، التي كانت لا تزال الجمهورية العربية المتحدة.

درع وسيف:

أجمل ما يعبر عن تلك اللحظة قول بليغ للسادات بعد النصر: لقد أصبح لهذه الأمة درعُ وسيف.

كانت الساعة الثانية وخمس دقائق ــ وكيف يُنسى هذا التاريخ؟ ــ من بعد ظهر يوم حار، في بيتنا في معسكر جباليا، حين توقف البث الإذاعي فجأة، وخرج علينا المذيع ببيان رزين هادئ كأنه يعلن أمراً يومياً:

هنا القاهرة. جاءنا الآن البيان التالي، من القيادة العامة للقوات المسلحة:

"قام العدو ــ الساعة الواحدة والنصف، بعد ظهر اليوم ــ بمهاجمة قواتنا، بمنطقتي الزعفرانة والسخنة بخليج السويس، بواسطة تشكيلات من قواته الجوية، عندما كانت بعض من زوارقه البحرية تقترب من الساحل الغربي للخليج. وتقوم قواتنا حالياً بالتصدي للقوات المغيرة".

ولم يكن أي منا يتصور أن هذا هو بيان بدء المعركة، فقد حسبناه مجرد اشتباك عادي ينتهي نهاية كل الاشتباكات السابقة، في حرب الاستنزاف السابقة.

ليس ممكناً أبداً اليوم تصور تلك اللحظة المجيدة، فكل تصور هو محاولة لاستبدال الكلمات بالمشاعر، مشاعر جيلنا في تلك اللحظة. ويبدو لي الآن، بعد هذه السنوات الطوال، أنه لم يكن ثمة أحدٌ لم يكن يستمع إلى الإذاعة، في تلك اللحظة: فمتابعة أهل غزة لما يجري في مصر، ظلت دوماً مستمرة، وتوشك أن تكون على مدار الساعة.

كنا قد تعودنا على أن تقول البيانات العسكرية الحقيقة، بعد أن تعلم العرب الدرس من أكاذيب يونيو 1967، وبعد ممارسة مستوى عالٍ من الصدق في بيانات حرب الاستنزاف. ولقد قيل لنا كلام كثير حول إعادة بناء الجيش المصري. لكننا لم نستطع أن نصدق أن هذه هي لحظة العبور وقد حلّت، حتى بعد أن سمعنا البيان الثاني بعد عشرين دقيقة من البيان الأول:

"رداً على العدوان الغادر الذي قام به العدو ضد قواتنا، في كل من مصر وسوريا، يقوم حالياً بعض من تشكيلاتنا الجوية، بقصف قواعد للعدو وأهدافه العسكرية في الأراضي المحتلة"؛

ثم البيان الثالث في الساعة الثالثة ودقيقتين:

"إلحاقاً للبيان رقم2، نفذت قواتنا الجوية مهاماً بنجاح وأصابت مواقع العدو إصابات مباشرة وعادت جميع طائراتنا إلى قواعدها سالمة عدا طائرة واحدة".

وصدح صوت حليم:

عاش عاش

عاش اللي قال الكلمة بحكمة وفي الوقت المناسب

عاش عاش

عاش اللي قال

لازم نرجع أرضنا من كل غاصب

عاش

عاش العرب

اللي في ليلة أصبحوا ملايين تحارب

وإن من أعظم إنجازات هذه الحرب، أنها حولت العرب في ليلة واحدة إلى ملايين متحدة محاربة.

قلت بأننا لم نتوقع، رغم صدور البيانات الثلاثة الأولى، أن يكون هذا هجوم العبور. لكن البيان الرابع الصادر في الثالثة وسبع دقائق، هو الذي كان مقدراً له أن يقنعنا بأننا أمام واقع جديد:

"حاولت قوات معادية الاستيلاء على جزء من أراضينا غرب القناة. وقد تصدت لها قواتنا البرية، وقامت بهجوم مضاد ناجح ضدها، بعد قصفات مركزة من مدفعيتنا على النقط القوية المعادية. ثم قامت بعض من قواتنا باقتحام قناة السويس، مطاردةً للعدو إلى الضفة الشرقية في بعض مناطقها. وما زال الاشتباك مستمراً".

الآن فقط بدأنا نصدق أن هذا هو العبور، الذي كنا ننتظره.

وصدحت الإذاعات المصرية بأجمل أهازيج العبور، غنت المجموعة الأغنية الخالدة التي سوف تصبح من بعد بيان العبور:

بسم الله

الله أكبر باسم الله باسم الله

باسم الله

أذّنْ وكَبَّرْ باسم الله باسم الله

نصرة لبلدنا بسم الله بسم الله

بإدين ولادنا بسم الله بسم الله

وأدان على المدنة بسم الله بسم الله

بيحيي جهادنا بسم الله بسم الله

الله أكبر أذّنْ وكبّرْ

وقول يا رب النصرة تكبر

بسم الله بسم الله بسم الله

سينا يا سينا بسم الله بسم الله

أدينا عدينا بسم الله بسم الله

ما قدروا علينا بسم الله بسم الله

جنود أعدينا بسم الله بسم الله

الله أكبر أذن وكبر

وقول يا رب النصرة تكبر

عود على بدء:

كل إنسان في داخله ديالكتيك أضداد تتصارع وتنمو لولبياً نحو اكتمال لن يتحقق. وكل إنسان يشعر بالقصور عن إدراك وعيه ما يتمنى إدراكه وما يصبو إلى معرفة كنهه. ونحن الفلسطينيين متدينون في الغالب، مظلومون بالتأكيد، نعشق الجمال دائماً، نرجو الحكم الشفاف والعادل مثل كل المخلوقات الواعية.

حين نتذكر ناصر نتذكر معه العزة القومية والتصنيع والتقدم والتحدي، وحين نستمع إلى خطب كشك يبهرنا للحظة، فنخرج من وعينا لنصدق أنه يقول الحقيقة، حين يشهر بعظماء مصر، لصالح حزب، لن نعرف أنه مقيت إلا متأخراً، وبعد التجربة المريرة.

ولئن كنتم قد عرفتم كم هو مقيت هذا الحزب بعد أن رأيتم أفعاله في غزة، فلقد أتيح لي ما جعلني أكتشف كم هو مقيت قبل ذلك، بحكم موقعي. وحين أدرك كم هو مقيت هذا الحزب، فمن الطبيعي أن أعود لأسترجع وعيي المفقود، فأحب ما أحبه حقاً، بعد التحرر مما توهمت أنني أحبه.

نهوض الوعي من الأعماق:

إذن فقد كان مقدراً لي أن أستعيد حب عبد الناصر وعبد الحليم وأم كلثوم وفيروز...

فحتى لو كان الاستماع إليهم إثماً ــ كما يزعم البعض ــ فلا شك أنني كنت قد مارست إثماً أعظم، حين صدقت في الله من لا يصدقون. ومن هنا وجدتني، كلما مرت بهذه الأمة لحظة عز، أتذكر حليم وأم كلثوم وناصر وعبد الوهاب.

إذن فقد بدأ العبور. ولم يك ثمة أجهزة تلفاز لدينا، لنشاهد ما سوف نشاهده بعد ذلك، من تسجيل تصويري لتلك اللحظات الخارقة. لكننا أدرنا مؤشرات الراديو على إذاعة لندن، الإذاعة التي تعود جيلنا على أنها تقول ما يقرب من الحقيقة، أكثر مما تفعل الإذاعات العربية.

ولم تكن مفاجأتنا كبيرة حين سمعنا، من لندن، بأن الصراع العسكري الآن يجري فوق مياه القناة، بين الطيران الإسرائيلي وقوات مصر، وأن الجيش السوري قد اخترق الدفاعات الصهيونية الحصينة في هضبة الجولان، في نفس الوقت.

لكن فرحتنا التامة سوف تكون حين نسمع الأخبار، من لندن كذلك، بأن المصريين قد نجحوا في إقامة رأس جسر على الضفة الشرقية للقناة. وكانت تلك بداية حرب الجنود مع الدبابات، ربما لأول مرة.

خير أجناد الأرض:

وهكذا أخذ خير أجناد الأرض يصطادون الدبابات الصهيونية على رمال سيناء، بصواريخ محمولة على الكتف من صناعة الاتحاد السوفيتي، حتى قبل غروب شمس يوم 6 أكتوبر 1973، العاشر من رمضان 1393 هجرية. ولم تنجح الطائرات القاذفة الإسرائيلية طويلة المدى، باختراق جدار الصواريخ، لتضرب العمق المصري، كما كانت تفعل في حرب الاستنزاف. فكل طائرة وصلت تم إسقاطها، حتى ارتدع سلاح الجو الإسرائيلي، مفخرة دولة الصهاينة، وكف عن العمل. وهكذا قُطعت يد إسرائيل الطولى لأول مرة. وكان على الدبابات الصهيونية أن تحارب مكشوفة فوق رمال الصحراء، وكان عليها أن تتلقى الصواريخ فتصطادها كالذباب.

ورفعت مصر العربية رأسها أخيراً، ورفعت رأس العرب والمسلمين. وكعادته دوماً كان عبد الحليم حاضراً ليترجم اللحظة، وكان معه الأبنودي العظيم، والملحن محمد الموجي أبرع من تعامل مع حليم: وصدح صوت العندليب، يرافق الجنود ويطوف بهم في أرجاء أم الدنيا، التي صحت الآن على فجر يوم جديد:

"لفي البلاد يا صبية لفي البلاد

لفي البلاد يا صبية بلد بلد

باركي الولاد يا صبية باركي الولاد

باركي الولاد يا صبية ولد ولد

ده المهر غالي المهر غالي وح يجيبوه

لو نجم عالي في السما راح يقطفوه

يا فرحتك ساعة ما ييجوا يقدموه

ويغنوا للفجر اللي في عينيكي اتولد

ده النصر مهرك والعريس ابن البلد"

كسر أنف الجيش الذي قيل عنه لا يقهر:

كل ذلك حدث قبل أن ينتهي نهار اليوم بإكمال بناء أول جسر مصري على القناة. ثم تتابعت بعده الجسور. وبدأت الدبابات المصرية تعبر القناة. وغداً سوف تبدأ حرب الدبابات، منذ ساعات الصباح الباكر. وغداً هذا كان يوماً رفع الله فيه رأس العرب والإسلام بجيش مصر، هذا الذي يحاول أعداء الأمة تفكيكه والقضاء عليه اليوم بمؤامراتهم.

وبعد تدمير كل الدبابات الصهيونية، وما حولها من أمدادٍ وأرتال عسكرية محمولة، بدأت القوة المدرعة الإسرائيلية الأولى والأضخم في التوجه من بئر السبع إلى قناة السويس. وحين وصلت بعد يوم آخر، بدأ الجنود الرابضون وراء أشجار النتش الصغيرة في الصحراء، ووراء التلال البسيطة، ومن حفرهم التي حفروها بخناجر بنادقهم الشخصية، يسومونها سوء العذاب.

وتم القضاء على اللواء المدرع بكامله. وتم أسر كل مقاتليه الذين لم يقتلوا. وتم أسر القائد عساف ياجوري. وبدأ العالم لأول مرة يرى أرتال الأسرى الصهاينة يجرهم الجندي المصري إلى الأسر.

سقوط الأسطورة:

وهكذا شاهد الذين لديهم تلفاز، فأخبرونا بأن موشى ديان قد ظهر على الشاشة، لأول مرة، كئيباً مهموماً وقد شاخ في ساعة واحدة، وهو يعلن أن حرباً قاسية تدور الآن في سيناء، وأن صباح الغد يعد بمعارك مهولة وأشد قسوة. لقد سمعنا هذا في الإذاعات فقط. إذن فها هو ذا ملك إسرائيل المتوج ينهار.. الجنرال الأعور ينهار!..

لقد كنت مدركاً، منذ زمن بعيد، كم هو هش هذا الكيان، من يوم أن قرأت قوله تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر/14). ولقد كنت دوماً مؤمناً بكل حرف في القرآن. ألم أكن تربية جمعية تحفيظ القرآن، في وقت كانت فيه جمعية تحفيظ القرآن، جمعية دينية حقاً؟

وكان أولادنا في معسكر جباليا، من قبل، قد بشروا بهذا السقوط للجنرال الأعور، حين ربطوا عصابة على عين كلب، ثم أطلقوه ينبح نحو معسكر الجيش الصهيوني! وكنت مدركاً هشاشة هذا الكيان، وأنا أراه من داخله، خلال عملي في سوق تنوفا بتل أبيب. فكم مرة خضت معارك مع لداتي منهم، وخبرت مدى شجاعتهم المزعومة، وتكافلهم المُدَّعى؛ ولكنني لم أتوقع أن تظهر حقيقة زيف الكيان بكامله، وهشاشته، في ليلة واحدة! ولسوف يثبت أولادنا الذين سيثخنونه في القلب، بعملياتهم الجريئة في المستقبل، أنهم أدركوا ذلك دون أدنى ريب.

لم أشك يوماً في استطاعة هذا الكيان أن يزول، وأن في استطاعة العرب أن يحققوا ذلك، حتى حين رأيت العالم كله يهب لنجدته. فمن كانت هشاشته من داخله، لا تقويه كل مساعدات العالم. والله إني لموقن اليوم أكثر بزوال هذا الكيان، ولكنكم تستعجلون.

ملك إسرائيل:

الجنرال.. هكذا؟.. الجنرال؟.. الجنرال وحدها، دون إضافة!.. كأن لا حاجة هناك لتوضيح!.. كأن كل العالم يعرف من هو الجنرال!.. يا للوقاحة المتبجحة!

وإنها لحقيقة شاهدتها بعيني، وعايشتها بكل مشاعري المُثَلَّمَةِ المهدودة، خلال سنوات عملي في تل أبيب، حقيقة الجنرال.. لم يكن هناك في إسرائيل أحدٌ يُطلق عليه اسم (الجنرال)، هكذا دون لاحقة تعريفية، إلا شخص واحد فقط، هو موشي ديان الجنرال الأعور. صحيح أن هناك جنرالات كثراً، في ذلك المجتمع، الذي أقامته مؤسسة الجيش، ولكن لا جنرال منهم كان يمكن أن يُعرّف بصفته، دون اسمه، إلا موشي ديان!. لقد استغرق الجنرال الأعور كل إمكانيات أل التعريف هذه، كما استغرقت أل التعريف هذه كل جنس الجنرالات في اللغة، واستعرضتهم، فلم تجد فيهم من يستحق مدلولاتها الثَّرَّة سوى ديان... (الجنرال)!

كان الجنرال الذي يقف الآن منهاراً على شاشة التلفاز الآن، كما لم يقف قبل أمام العالم، أسطورة المجتمع الإسرائيلي، وملك إسرائيل غير المتوج.

كان موشى ديان ــ بتعبير صديقي أحمد حسين ــ بسيرته العسكرية، وصهيونيته الفاخرة، وبجلدته السوداء، وأناقته الشخصية؛ معبود المراهقات بشكل خاص، بالإضافة إلى نساء المجتمع الطامحات إلى الشهرة.

أما من جهته هو، فيمكن القول بأنه لم يضيع وقته سدى، إذ اشتهرت غزواته العاطفية، وصارت حديث المجتمع التل أبيبي، إلى درجة أدت إلى هجران زوجته له.

يمكن القول بأن تلك الأيام ــ التي تلت الانتصار الصهيوني السهل والسريع، قبل ست سنوات في 1967 ــ قد شهدت تحول الجنرال الأسطوري إلى عجل صهيون المقدس الذي لا يمكن مسه، إلى درجة أعمت الخواطر اليهودية عن مجرد التطرق إلى استغلاله الفاضح لمنصبه، كوزير للدفاع، في نهب الآثار من المناطق المحتلة ــ التي يحكمها بصفته وزير الدفاع ــ واقتنائها بصورة معلنة.

الشعار يتغير:

أتدرون ما هو أجمل شيء رافق العبور في وعيي؟ إنه صيحات الجنود فوق القناة: الله أكبر. فتلك الصيحة كانت جديدة على آذان جيلنا: أقصد جديداً سماعُها في الحرب. وتلك من مآثر العبور. وتلك التي داعبت خيالي لحظة ما، فصدقت بأن الرئيس السادات هو الرئيس المؤمن.

وهل كان لفتى متدين أن لا يعجب برئيس مؤمن يعبر القناة؟ وهل كان لفتى متدين مؤمن أن لا يقارن بين رئيس مؤمن ورئيس اشتراكي؟ يبدو أن تلك هي إحدى اللحظات التي لم يفز فيها عبد الناصر داخل وعيي. فقد بدأ هنا شخص يزاحمه. وصيحات التكبير فوق القناة تشهد له.

ولم تكن النزعة الفرعونية قد بدت على رئيس مصر في تلك الأيام، بل على العكس من ذلك، إذ بدا السادات أول رئيس مصري يحظى بإجماع حكام العرب، الذين لم نكن قبل ذلك نَأْبَهُ لإجماعهم.

الاتحاد السوفيتي الوفي:

يجب ألا أطيل الكلام على حرب أكتوبر، فالكل يستطيع معرفة حوادثها اليوم من وسائل الاتصال المتعددة. لكن ربما يجدر بي ذكر أن الاتحاد السوفيتي قد أدى واجب الصداقة، رغم ما بينه وبين السادات: فبعد اتضاح التدخل الأمريكي على الجبهة مباشرة، ووصول الحرب إلى نقطة توشك فيها أن تكون مصر في مواجهة أمريكا، أعلن الاتحاد السوفيتي التأهب النووي في قواعد قواته الاستراتيجية، في كافة أرجاء العالم. الأمر الذي أقنع أمريكا بأن تبقي على تدخلها في الجبهة في حده الأدنى، خشية انزلاق الأمور إلى حرب عالمية ثالثة.

وكانت غولدا مئير قد أطلقت استغاثتها الشهيرة: أنقذوا إسرائيل.. هذا هو خراب الهيكل الثالث..

ولوجه الحقيقة ربما يجدر بنا الاعتراف بأن مصر، يوماً، لم تكن تمثل للاتحاد السوفيتي ما تمثله إسرائيل لأمريكا والغرب. لقد كان ما بيننا تعاوناً استراتيجياً، فيما كان ما بينهم علاقة عضوية.

واتصل المرحوم الملك فيصل يطلب من الرئيس السادات أن يأمره بما عليه أن يفعل. وفعل الفيصل العظيم ما هو جدير بملك عظيم. وطار الرئيس الجزائري هواري بو مدين إلى موسكو، ووقع شيكاً مفتوحاً للقيادة السوفياتية، ثمناً لكل ما تطلبه مصر من معدات وذخائر. وشاركنا نحن الفلسطينيين بقواتنا في العمليات، بعد زيارة مفاجئة من ياسر عرفات لمصر. ولم يبق حاكم عربي إلا وقدم كل ما تريد مصر، مما يستطيع ولا يستطيع.

لقد غدونا فعلا ملايين محاربة بحمد الله.

تحية لذكر رجل بنى الجيش ومات

تحية لذكرى رجل يرقد في منشية البكري

تحية لقائد ـ رغم كل الظروف ـ استطاع أن يصدر الأمر بالقتال.

تحية لكل جندي عبر بنا من لسيل الهزيمة إلى أحلام النصر

لقد علمنا أكتوبر أنه مهما كان الأمر فسوف يأتي يوم فيه نستطيع.

والفاتحة لذكرى الأبطال فرداً فرداً